عفيف الدين التلمساني
158
شرح مواقف النفري
يشهد الوسط فيها لم يكن له علم بها ، وكل من عرف حكما ولم يشهد مرتبته في العلم فما عرف . قوله : ( وقال لي : المطّلع مشكاتي التي من رآها لم ينم ) . قلت : المطلع سمّي مطلع للاطّلاع منه على الظواهر وهي العلوم ، والبواطن وهي المعارف أو الحدود بينهما التي بها يصير الموجود مجموعا من ظاهر وباطن ، فإذن الاطلاع منه هو يشبه المشكاة التي ترى بمصباحها الأشياء التي كانت الظلمة تخفيها ، وأما قوله : « لم ينم » فمعناه : لم يجهل . قوله : ( وقال لي : المطلع رؤية الموجب ، والمطلع في الموجب رؤية المراد ) . قلت : أراد بالموجب العلة وبالمراد المعلول . قوله : ( وقال لي : يا عالم اجعل بينك وبين الجهل فرقا من العلم وإلا غلبك ، واجعل بينك وبين العلم فرقا من المعرفة وإلا اجتذبك ) . قلت : حال الجاهل كحال العامي ، فكأنه قال تعلم فيصير العلم يفرق بينك وبين العلم فرقا من المعرفة ليجمعك على الحكم ، وهو قوله فيما سبق : « تعلم ولا تسمع من العلم » أي الحظ فيه وجه المعرفة فإنك بها تكون غير سامع من العلم خشية أن يجتذبك العلم فيصير جهلا إذ هو يحجب عن المعرفة . قوله : ( وقال لي : أوحيت إلى التقوى أثبتي وثبتي ، وأوحيت إلى المعصية تزلزلي وزلزلي ) . قلت : إثبات التقوى جعله إياها تفيد المعرفة وهو قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [ البقرة : الآية 282 ] وأما المعصية فمعنى قوله : تزلزلي أي لا تثبتي ، وحقيقة لا تثبتي أنها ليس لها حقيقة في نفس الأمر ، ولذلك من نظر الناس بعين المعرفة عذرهم ، وأما قوله : « وزلزلي » فإن معناه أنه تعالى جعل حقيقة المعصية توجب الوحشة بين قلب المحجوب وبين ربه عزّ وجلّ ، وذلك هو الزلزال .